| لم تسلط الصحافة والإعلام الإسرائيليين الأضواء على دولة من الدول العربية في الأشهر الأخيرة، مثلما فعلت بالنسبة لدولة الإمارات العربية المتحده، فقد تكالبت الصحافة الإسرائيلية على ما يدور في الإمارات، خاصة إمارة دبي، وكأن العالم العربي لم يعد يجذبها بما به من أحداث سياسية بقدر ما تجذبها أخبار هذه الإمارة التي يبدو وأنها كانت على موعد مع حدث جديد، تمت حياكته بدقة منذ فترة طويلة، ليؤرق صفوها، ويضيف إلى مشاكلها الإقتصادية التي طرحت مؤخرا، مشكلة جديدة، رغم أنها شهدت مشكلة أمنية أخرى منذ فترة، ولكنها سرعان ما وجدت لها حلول وتعاملت معها بكفاءة تحسد عليها، وهي قضية مقتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، فلم يشكك أي أحد في القدرات الأمنية الرفيعة التي تعاملت بها شرطة دبي مع هذه الواقعه.
الإهتمام الإسرائيلي كان منصبا على (برج دبي)، وإقتراب إفتتاحه، وتكاليفه وإرتفاعه، ثم إنصب على الأزمة المالية التي مرت بها دبي، ثم تزامنها مع إفتتاح البرج، ومستوى الرفاهية التي تتمتع بها هذه الإمارة، وكيف أنها تمتلك أعلى بنايات العالم في ظل أزمة مالية خطيرة، وهو الأمر الذي تطلب بالطبع إيفاد الكثير من الصحفيين الإسرائيليين لتغطية الحدث الأهم، وربما الإستعانة بصحفيين ومراسلين يحملون جنسيات أخرى، نقلوا لها أدق تفاصيل الحياة في دبي وما حدث قبل وأثناء وبعد إفتتاح البرج، لتخرج التقارير الصحفية التي لم تخف حقدها لهذه الإمارة العربية الثرية.
وبعيدا عن الإهتمام الإعلامي الإسرائيلي، سيكون من الغريب أن تطرح الأوساط العربية حتى الآن سؤال (من قتل مسؤول حماس - محمود المبحوح- في دبي؟)، فالإجابة واضحة على الأقل بالنسبة لحماس، منذ اللحظة الأولى التي أعلن فيها النبأ، فمن قتل المبحوح هو (الموساد)، وهو أمر لا يقبل النقاش أو التحليل، والسبب بسيط، فالمحللون والصحفيون في إسرائيل، وهم على صلة في الغالب بدوائر أمنية وسياسية وإستخباراتية رفيعه، وهم أول من يتتبع تعليمات الرقابة الإسرائيلية العسكرية والأمنية، قالوها صراحة، وهم بذلك إتبعوا الحد الأقصى من تعليمات الرقابة، وبعد سنوات سيكون بين أيديهم تفاصيل كاملة للإغتيال، وسيعرف العالم وقتها (الإسم الكودي للعملية)، وكيف تم الإعداد لها.... إلخ.
ولا يقصد هنا أن هؤلاء المحللين أجروا مثلا إتصالات بشكل شخصي مع مسؤولين في الموساد أو في المستوى السياسي، أو أنهم تلقوا معلومات من مصدر سري في الموساد، على خلاف رغبة جهاز الإستخبارات الخارجية الإسرائيلية، بالعكس، هم يتوجهون بشكل رسمي، ويحصلون على إجابة قد تكون مبهمه، وقد تحمل إحتمالين، وقد تكون صريحه، وما نشر في الأيام الأخيرة في الصحف الإسرائيلية يدل على أن توجه هذه الصحف بطلب لإستضياح حقيقة (هل إغتال الموساد محمود المبحوح في دبي؟)، تلقى رد يقول (لا يمكننا أن نقول نعم، ولكن يمكننا أن نهنئ الموساد على هذه العملية الناجحه!).
وما يؤكد أن الصحافة الإسرائيلية تلقت تعليمات بتسريب ما يشير إلى أن الموساد يقف وراء الإغتيال، ما كتبه مثلا (يوسي ملمان) في صحيفة (هأرتس) بتاريخ 3-2-2010، حيث قال "الحكومة الإسرائيلية ليست في حاجة للإجابة عن سؤال - هل عملاء الموساد هم من قتلوا مسؤول حماس محمود المبحوح في دبي أم لا، فإبتسامات وزراء الحكومة لدى خروجهم من الجلسة الأسبوعية، تفصح كل شئ، حقا، من الممكن الشعور بحالة من الرضا، فالإستخبارات واثقه ودقيقه والتنفيذ تم بدون أخطاء، لدرجة أن المبحوح علم أنه صوب الهدف أمام الإستخبارات الإسرائيلية، وإتخذ تدابير حذره وصارمة، ولكن منفذو العملية نجحوا في الوصول إليه".
ويوسي ملمان (60 عاما)، ليس صحفي مبتدئ لكي يتناول الموضوع بهذه الطريقة، فهو خبير في الملفات الأمنية والعسكرية وخبير في شؤن ما يصفونه بالإرهاب، وله ما لا يقل عن ثمانية كتب، من بينها ما يتناول قضايا إستخباراتية وقضايا تجسس، لذا فحين يكتب في مثل هذا الموضوع، فإنه حريص على تسريب ما يريده الموساد، وحجب ما لا يريده، أو بمعنى آخر فقد سرّب الموساد ما يريد قوله عبر قلم ملمان.
إذن لم تعد تلك هي القضية، ولكن القضية الأخطر، هي كيفية نجاح الموساد في التسلل إلى دبي، وتنفيذ عملية إغتيال ضد شخصية من المفترض أن تحظى بمتابعة أمنية دقيقة، وبداخل أحد الفنادق الشهيرة، وهو فندق (البستان روتانا)، وخاصة إذا كان المبحوح دخل إلى دبي بهويته الحقيقية، وليست المشكلة في هوية منفذي الإغتيال، لأن عملاء الموساد في النهاية، لن يتوجهوا إلى المطار في دبي، ليقولوا للسلطات هناك (نحن إسرائيليون نعمل في الموساد وجئنا لإغتيال قيادي في حماس!)، بالطبع هؤلاء العملاء يحملون جنسيات أخرى، لذا فحين تقول شرطة دبي أنها تعلم هوية منفذي العملية، وأنهم يحملون جنسيات أوروبيه، فهي في الواقع لم تتوصل لنتيجه بعد، لأنها وببساطة وحين تستعلم عن إسم من هذه الأسماء في البلد التي جاء منها، قد تجد إجابة بسيطة (لا يوجد مواطن بهذا الإسم) رغم أن جواز سفره غير مزيف.
أما المشكلة فتتعلق بنقطة (طالما دخل المبحوح بشكل رسمي وبهويته الحقيقية إلى دبي، بدليل أن العملاء عرفوه، كيف كان هدفا سهلا لهم، في الوقت الذي من المفترض أن يرصده الأمن في دبي للعديد من الأسباب، لا تتعلق حتى بأنه مستهدف من قبل إسرائيل. فهو شخصية أمنية في حركة حماس دخل إلى الإمارة لأي سبب من الأسباب، ومن الطبيعي أن ترصده أجهزة الأمن، ليس لأنها تشتبه فيه، ولكن هذا هو االمفترض حصوله، وإلا سيعني الأمر أن شخص مثل خالد مشعل قد يدخل قطر أو الكويت أو لبنان أو الإمارات مثلا، وحين تسال أجهزة الأمن عن مكانة ستقول لك (لا نعرف)...... مستحيل، فإن أجهزة الأمن عليها ان تتابع بصفة عامة تحركات شخصيات كهذه ذي حساسية أمنية ليس لأنها تشك في تحركاتهم أو سبب زيارتهم، ولكن لتحافظ على دورها وسيادتها الأمنية داخل حدود بلادها، لأنها في النهاية مسؤولة عن سلامة هذه الشخصية حتى ولو كانت مرغمة على فعل ذلك، وحتى ولو كان هذه الشخصية غير مرغوب بها، وهنا لا نقصد أن المبحوح لم يكن مرغوبا به في دبي من عدمه، ولكن من الطبيعي أن يحظى بمتابعة أدق، على الأقل حين يختفي ليومين أو ثلاثة، كان يجب أن تتحرك هذه الأجهزة بحثا عنه، ولكن ما حدث أن عمال الفندق هم من عثروا على جثمانه بعد أيام من إغتياله طبقا لما نشر، وربما يكون التسريب خاطئا أيضا.
الموساد في هذه العملية بالتحديد، يبدو وأنه كان دقيقا جدا في التعامل مع الساحة التي تم تحديدها لإغتيال المبحوح، فبعض عمليات الإغتيال السياسي أو التصفية الجسدية تنفذ بأسلوب من شأنه أن يحقق فائدة مركبة، ومثلا، إغتيال عالم الفيزياء الإيراني مسعود علي محمدي في يناير الماضي تم من خلال تفجير دراجة نارية بالقرب من سيارته، وفي ساحة مثل طهران، يمكن للموساد أن يحقق فائدة مركبة، فهو قتل العالم، وأحدث ضجة كبيرة، وأوصل رسالة واضحة إلى إيران بأنه يستطيع الوصول إلى قلب العاصمة، أما في حالة المبحوح، فقد كان الهدف من الإغتيال، هو (الإغتيال) فحسب، وللجميع أن يتخيل ما الذي كان سيحدث لو تم إغتيال المبحوح في دبي بطريقة أخرى (تفجير سيارة مثلا) مثل إغتيال عماد مغنية في دمشق، أو إغتيال مسعود في طهران. وهو ما يدل أيضا على أن الفترة القادمة قد تشهد عمليات أخرى ضد قيادات حماس، إستكمالا للحرب التي يبدو وأنها لم تحقق أهدافها أثناء (الرصاص المسكوب)، وهنا قد يحرص قادة حماس على التقليل من زياراتهم خارج دمشق أو غزة، وخاصة وأن أي إستعدادات لزيارة سرية كانت أو علنية تتسرب بسهولة لوكالات الأنباء، التي تتحدث حاليا مثلا عن زيارة خالد مشعل المرتقبة لموسكو.
ولكن مع الحديث عن سهولة دخول الإسرائيليين إلى دبي، ليس فقط قبل الإغتيال، ولكن حتى مع تشديد الإجراءات الأمنية بعد الإغتيال، سيكون على شرطة دبي أن تجيب على سؤال (هل علمت أن المحلل العسكري الإسرائيلي الشهير ألون بن دافيد عاد لتوه من دبي، وأنه توجه إلى نفس الفندق الذي قتل فيه المبحوح ليتابع عن كثب الأجواء هناك، وأنه في النهاية أعد تقريرا للقناة العاشرة بالتلفزيون الإسرائيلي حتى من داخل الغرفة التي قتل فيها المبحوح؟ وإختار له عنوان مرحلة تلو الأخرى؟).
عموما ألون بن دافيد من القناة العاشرة، أجرى إتصال هاتفي فور عودته من دبي، بإحدى المحطات الإذاعية الإسرائيلية بعيدا عن تقرير القناة العاشرة المصور، ووصف رحلته إلى هناك وقال "قمت بزيارة الفندق، وتحدثت مع العديد من المراسلين الصحفيين هناك، والحقيقة على الرغم من وابل الروايات في الإعلام العربي، ولكن الخط الرسمي للشرطة هناك يقول أنهم يحققون حتى الآن في الواقعه، ورغم من ينسبون الواقعه لإسرائيل، ولكن الشرطة تقول أنها ستكشف تفاصيل عن منفذي الإغتيال، وعموما يمكنك أن تجد في كل خمسة أمتار في الفندق قوات أمنية، هناك كاميرات مراقبة في جميع الإتجاهات، لدى الشرطة على الأقل الأسماء المستعارة لأربعة من منفذي العملية، وهم يحملون جوازات سفر أوروبيه، وطبقا لمزاعم الشرطة، فقد دخلوا بجواز سفر أوروبي، وخروجوا بجواز آخر".
وسألته المحاورة (هل وجدت صعوبات في دخول دبي، ألم تشعر بالخوف؟)، فرد عليها "إفترضت أن أجد حساسية بسبب الحادث، ولكن بشكل مفاجئ لم أشعر بذلك، تركوني أتحرك بحرية تامة، على خلاف دول أخرى في الخليج، إلتقطت الصور داخل وخارج الفندق، ولم يبدُ أن الأمر يزعج أي أحد، الأمور عادت إلى طبيعتها في الفندق، وفي دبي لا يهتمون بما حدث"، كما تحدث عن طريقة التوجه إلى دبي وقال أنها تمت عبر عمان، وأنه لم يستخدم جواز السفر الإسرائيلي، ولكنه دخل بجوزا سفر لجنسية أخرى يحملها.
وسألته المحاورة وهي تضحك "ولكن ليس بجواز سفر مزور معاذا الله؟"، فقال ضاحكا "لا... لا معاذا الله، ولكن عموما حين نظروا في الإسم وشعروا أنه غير أوروبي، أرادوا على ما يبدو معرفة مصدر هذا الإسم الذي لا يبدو أوروبيا، ولكن الأمر مر بسلام".
كما أضاف "الفندق فخم، محمود المبحوح لم ينزل في الفندق بإسمه الحقيقي، حرص على إختيار غرفة بلا شرفة، والنافذة لا تفتح من أي إتجاه، ولا يمكن مثلا التسلل إلى الغرفة عبر النافذه من الخارج بأي شكل من الأشكال، ويبدو أنه تم التحقيق معه بعنف شديد قبل إغتياله، وهناك علامات صعق كهربائي على مناطق متفرقة في جسدة طبقا للروايات".
أما تقرير القناة العاشرة نفسه والذي نقله المحلل من أمام وداخل الفندق فلم يخف نشوة الموساد بالإغتيالات السابقة، وكيف أن مائير داجان رئيس الموساد أعاد إلى الجهاز وقاره، ونقل التقرير الذي أذيع في إحدى نشرات الأخبار من أمام فندق (البستان روتانا) قبل أن تتجول الكاميرا داخل أروقة الفندق، وتشير من الخارج إلى الغرفة التي قتل فيها المبحوح، لتصل في النهاية إلى باب الغرفة، ثم مشاهد من داخل الغرفة نفسها.
يبقى أن المخاوف الحالية تتركز على أن إمارة دبي التي ضربت نموذجا رائعا للعالم بأسره، كواحدة من الكيانات العربية التي يمكنها أن تصنع تاريخا، وأصبحت من أخطر الكيانات لجذب الإستثمارات من كل حدب وصوب، تحولت في الآونة الأخيرة إلى ساحة لعمليات التجسس والإغتيالات، والتي كان آخرها قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم، ثم إغتيال الزعيم العسكري السابق في الشيشان سليم عمادييف العام الماضي، وأخيرا إغتيال المبحوح.
|